ابراهيم بن عمر البقاعي
444
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
بعضهم بعضا ، فاتل عليهم هذه القصة لتكون زاجرة لهم من أن يفعلوا ذلك إذا فرغوا من الجبابرة وأبادوهم وصفت لهم البلاد فتوطنوها ، وأخرجت لهم بركاتها فأبطرتهم النعم ، ونسوا غوائل النقم ؛ ويكون ذلك وعظا لهذه الأمة ومانعا من فعل مثل ذلك بعد إكمال دينهم ووفاة نبيهم وإظهارهم على الدين كله ، كما تقدم به الوعد لهم فقهروا العباد وفتحوا البلاد وانتثلوا كنوزها وتحكموا في أموالها ، فنسوا ما كانوا فيه من القلة والحاجة والذلة فأبطرتهم النعم ، وارتكبوا أفعال الأمم ، وأعرضوا عن غوائل « 1 » النقم - كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « دب إليكم داء الأمم قبلكم : الحسد والبغضاء ، ألا والبغضاء هي الحالقة ، لا أقول : تحلق الشعر ، ولكن تحلق الدين » « 2 » أخرجه الترمذي والإمام أحمد وأبو داود الطيالسي في مسنديهما والبزار - قال المنذري : بإسناد جيد - والبيهقي وقال : « لا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا » « 3 » رواه الطبراني ورواته ثقات ، وذكر الحافظ أبو الربيع بن سالم الكلاعي في القسم الثاني من سيرته في فتح جلولاء من بلاد فارس أن سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه لما أرسل الغنيمة إلى عمر رضي اللّه عنه أقسم عمر رضي اللّه عنه : لا يخبأها سقف بيت حتى تقسم ! فوضعت في صحن المسجد ، فبات عبد الرحمن بن عوف وعبد اللّه بن أرقم رضي اللّه عنهما يحرسانه ، فلما جاء الناس كشف عنه فنظر عمر رضي اللّه عنه إلى ياقوتة وزبرجدة وجوهرة فبكى ، فقال عبد الرحمن رضي اللّه عنه : ما يبكيك يا أمير المؤمنين ؟ فو اللّه إن هذا إلا موطن شكر ! فقال عمر : واللّه ما ذاك يبكيني ، وتاللّه ما أعطى اللّه هذا قوما إلا تحاسدوا وتباغضوا ، ولا تحاسدوا إلا ألقى بأسهم بينهم .
--> ( 1 ) الغوائل : الدواهي . والمغاولة : المبادرة والمباهتة . ( 2 ) حسن . أخرجه الترمذي 2510 والبزار 2002 وأبو يعلى 669 وأحمد 1 / 167 والبيهقي في الشعب 8747 كلهم من حديث الزبير بن العوام . ولفظه : « أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : دبّ إليكم داء الأمم : الحسد والبغضاء ، هي الحالقة ، لا أقول تحلق الشعر ، ولكن تحلق الدين ، والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ، أفلا أنبئكم بما يثبت ذاكم لكم ؟ أفشوا السّلام بينكم » هذا لفظ الترمذي . قال الهيثمي في المجمع 8 / 30 : رواه البزار وإسناده جيد ا ه وورد من حديث مولى الزبير أخرجه البيهقي في الشعب 6613 والطيالسي 193 ويشهد للحديث ما أخرجه البخاري في الأدب المفرد 260 من حديث أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تسلموا ، ولا تسلموا حتى تحابوا ، وأفشوا السّلام تحابوا ، وإياكم والبغضاء ، فإنها هي الحالقة لا أقول لكم تحلق الشعر ، ولكن تحلق الدين » . وإسناده صحيح . ( 3 ) حسن . أخرجه الطبراني في الكبير 8 / ( 8157 ) وفي مسند الشاميين 1642 من حديث ضمرة بن ثعلبة . وأورده المنذري في الترغيب 3 / 547 وقال : رواه الطبراني ورواته ثقات ا ه وكذا قال الهيثمي في المجمع 8 / 78 .